حبيب الله الهاشمي الخوئي

273

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولما قصّ قصة إبليس أمر المخاطبين بالنظر فيما آل اليه أمره وأثمره كبره ليحذروا من اقتفاء أثره ، ويجتنبوا من سلوك سننه فقال : ( ألا ترون كيف صغره اللَّه بتكبره ووضعه بترفعه ) وتجبّره ( فجعله في الدّنيا ) مذموما ( مدحورا ) وقال * ( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ . رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ ) * ( وأعدّ ) اللَّه ( له في الآخرة سعيرا ) وقال * ( « لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ » ) * ثمّ نبّه على نكتة خلقة آدم عليه السّلام من الطين بقوله ( ولو أراد اللَّه سبحانه أن يخلق آدم عليه السّلام من نور يخطف الأبصار ) أي يسلبها ويأخذها ( ضياؤه ويبهر العقول رواؤه ) أي يغلبها حسن منظره ( وطيب يأخذ الأنفاس عرفه ) أي ريحه وعطره ( لفعل ) لأنه أمر ممكن مقدور وهو سبحانه على كلّ شيء قدير ( ولو فعل ) ذلك ( لظلَّت الأعناق خاضعة له ولخفت البلوى فيه على الملائكة ) يعنى أنه سبحانه لو أراد أن يخلق آدم في بدء خلقته من نور باهر يخطف سنا برقه بالأبصار لكان مقدورا له سبحانه ، ولو خلقه كذلك لصارت أعناق الملائكة وإبليس خاضعة منقادة له ، ويسهل عليهم الامتحان في سجود آدم عليه السّلام ولم يشق عليهم تحمل ذلك التكليف ، ولساغ لهم السجود له وطاب أنفسهم به لما رأوا من شرف جوهره وعلوّ مقامه وفضل خلقته ، لأنّ الشريف جليل القدر إنما يأبى ويستنكف من الخشوع والخضوع لمن هو دونه ، ولذلك قال إبليس اللعين خلقتني من نار وخلقته من طين ، وأما من كان أصله مناسبا لأصله ومقارنا له في الشرف أو أعلى رتبة منه فلا ، وخفّ حينئذ البلوى . ( ولكن اللَّه سبحانه ) لم يرد ذلك ولم يتعلَّق مشيّته بخلقه من نور وصفه كيت كيت ، وإنما خلقه من طين وصلصال من حماء مسنون ليصعب تحمّل التكليف سجوده ويثقل حمله ، فيتميّز بذلك المحسن من المسىء والمطيع من العاصي ، ويستحقّ المطيع له على ثقله مزيد الزلفى والثواب لكون اطاعته عن محض الخلوص والتعبّد والتسليم والانقياد ، ويستحقّ العاصي لأليم العقاب لأجل كشف عصيانه عن كونه